محمد الريشهري
184
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
كصبغ الوسِمة اليمانيّة ، أو كحريرة مُلبسة مرآة ذات صِقال ، وكأنه متلفّع بمِعجر ( 1 ) أسحم ( 2 ) ، إلاّ أنّه يُخيّل لكثرة مائه وشدّة بريقه أنّ الخضرة الناضرة ممتزجة به . ومع فتق سمعه خطّ كمُستدقّ القلم في لون الأُقحوان أبيض يققٌ ( 3 ) ، فهو ببياضه في سواد ما هنالك يأتلق ( 4 ) . وقلّ صبغ إلاّ وقد أخذ منه بقسط ، وعلاه بكثرة صقاله وبريقه وبصيص ديباجه ورونقه ، فهو كالأزاهير المبثوثة لم تُربِّها أمطار ربيع ولا شُموس قيظ . وقد ينحسر من ريشه ، ويَعرى من لباسه ، فيسقط تترى ، وينبت تباعاً ، فينحتّ من قصبه انحتات أوراق الأغصان ، ثمّ يتلاحق نامياً حتى يعود كهيئته قبل سقوطه ، لا يخالف سالف ألوانه ، ولا يقع لون في غير مكانه ! وإذا تصفّحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حمرة ورديّة ، وتارةً خُضرة زَبرجديّة ، وأحياناً صفرة عسجديّة ( 5 ) . فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفِطن ، أو تبلغه قرائح العقول ، أو تستنظم وصفه أقوالُ الواصفين ؟ ! وأقلّ أجزائه قد أعجز الأوهام أن تدركه ، والألسنة أن تصفه ! فسبحان الذي بهر العقول عن وصف خلق جلاّه للعيون فأدركته محدوداً مُكوّناً ، ومؤلّفاً مُلوّناً ، وأعجز الألسن عن تلخيص صفته ، وقعد بها عن تأدية نعته ! ( 6 )
--> ( 1 ) المِعْجَر : ثوب تَعتَجِر به المرأة أصغَر من الرداء وأكبر منَ المِقنَعة ( لسان العرب : 4 / 544 ) . ( 2 ) الأسحَم : الأسود ( النهاية : 2 / 348 ) . ( 3 ) يقق : أبيض يَقَق ويَقِق ، بكسر القاف الأولى : شديد البياض ناصعه ( لسان العرب : 1 / 387 ) . ( 4 ) تألَّق البرق : التَمَع ( تاج العروس : 13 / 10 ) . ( 5 ) العَسجَدُ : الذهب ( لسان العرب : 3 / 290 ) . ( 6 ) نهج البلاغة : الخطبة 165 ، بحار الأنوار : 65 / 30 / 1 .